انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتمقالاقتصاديات الإعلام الفضائي في دول الخليج العربية (مقاربة أولية)

اقتصاديات الإعلام الفضائي في دول الخليج العربية (مقاربة أولية)

انشأ بتاريخ: السبت، 01 تشرين1/أكتوير 2005

شهدت دول الخليج العربية تطورات مهمة في قطاع الإعلام التلفزيوني خلال السنوات العشرين الماضية، تمثل أبرزها في تزايد عدد القنوات الفضائية التي تبث برامجها لجماهير في الخارج، وتطور البرامج التي تحملها تلك القنوات من حيث الشكل والمضمون، إضافة إلى بروز القطاع الخاص كشريك مهم للقطاع الحكومي في تشغيل وامتلاك وإدارة المؤسسات التلفزيونية التي ظلت ردحاً من الزمن حكراً على القطاع الحكومي الرسمي في دول الخليج العربية. ولعل المراقب سيلمس بوضوح مدى الانتشار الذي حققته القنوات الفضائية التي تبث من دول الخليج العربية عند مقارنتها بالقنوات العاملة في الدول العربية الأخرى، حيث ظل الإعلام الفضائي الرسمي (باستثناء لبنان ومصر) هو العلامة المميزة لتضاريس الخارطة الإعلامية في المنطقة. ورغم هذا التطور الذي شهدته الساحة الإعلامية الفضائية في دول الخليج العربية، إلا أن هناك تحديات كثيرة ظلت تواجه هذه المؤسسات الناشئة في كافة المجالات، وعلى رأسها المجال السياسي، حيث لا تزال العلاقة مع السلطات الحكومية المالكة أو المراقبة مشوبة بالكثير من الضبابية وعدم الوضوح.  غير أن أبرز تحدٍ يواجه القنوات الفضائية في دول الخليج العربية ظل متركزاً في مصادر تمويلها ومدى قدرة تلك المصادر على تحقيق مشاريع فضائية مستدامة وسط تزاحم إعلامي لم تشهد المنطقة مثله في تاريخها الحديث.

مصادر التمويل في القنوات الفضائية الحكومية والخاصة
لكي تحافظ على البقاء في عالم يغلب عليه التنافس الشديد، سعت القنوات الفضائية في دول الخليج العربية، وبصرف النظر عن تابعيتها المؤسسية (قطاع خاص أو عام) إلى تأمين مصادر تمويل متنوعة، ولا يوجد هناك دليل واضح وقاطع على أن القنوات الفضائية بكافة أشكالها قادرة على سد تكاليف تشغيلها حتى لو كان بعضها جزءاً من القطاع الخاص الذي يسعى للربح.  ولعل المراقب سيصاب بالدهشة عندما يدرك أن الأغلبية العظمى من هذه القنوات غير قادرة حتى على تغطية تكاليف تشغيلها، وبالتالي فهي بعيدة كل البعد عن حالة الربحية التي تتمتع بها مثيلاتها في القطاع الخاص في المجتمعات الغربية.  وربما يحاول المراقب مدفوعاً بفضوله التساؤل عن أسباب هذه الحالة وعن الأسباب التي تدعو المحطات الفضائية الخاصة بالذات للعمل في بيئة تعد الخسارة المالية أهم معالمها.  ويمكن إعادة صياغة السؤال بشكل آخر ليكون متعلقاً بالعوامل التي تمكن هذه القنوات الفضائية من مواصلة عملها لسنوات في ظل خسارة مالية واضحة.  وللإجابة عن هذين السؤالين لا بد لنا أن نبحث في عدة جوانب تتصل بمقومات صناعة الإعلام الفضائي الناجح في المجتمعات الحديثة ومدى توافر تلك المقومات في بيئة الإعلام العربي الخليجي.

مقومات الإعلام الفضائي الناجح من الناحية الاقتصادية
إن نجاح الإعلام التلفزيوني في المجتمع الأمريكي منذ انطلاقه في أوائل القرن الماضي لم يأت من فراغ، بل جاء نتيجة طبيعية لتضافر عدة عوامل تتعلق بالترابط الوثيق بين المؤسسات الإعلامية التلفزيونية ممثلة بشبكات التلفزيون الأمريكية الرئيسية الثلاث والمؤسسات الاقتصادية العاملة في المجتمع نفسه. فقد أثبتت الدراسات المتتالية التي أجريت حول التلفزيون في الولايات المتحدة أن شبكات التلفزيون الثلاث إما أن تكون مملوكة للقطاع الخاص كما هو الحال مع شبكة (إن.بي.سي) المملوكة بنسبة 80 في المائة لشركة (جنرال إلكتريك)، أو أن هناك مصالح مشتركة مع تلك الشركات كما هو الحال بين شبكة (سي.إن.إن) وشركة (مايكروسوفت) وشركة (تايم وورنر).  وهذا الترابط الوثيق يسهم بشكل أو آخر في توفير التمويل الكافي للشبكات التلفزيونية من خلال الإعلانات ورعاية البرامج المختلفة، أو حتى من خلال الدعم المباشر لها. ولعل معدلات المضامين الإعلانية العالية التي تظهر على شاشات التلفزيون في الولايات المتحدة تشير بشكل لا يقبل الشك إلى حجم التدفق التمويلي الذي تتلقاه تلك الشبكات من الشركات العملاقة التي ترتبط بها بعلاقات عضوية عميقة.  وهناك سبب آخر يتعلق بكون عملية البرمجة في الشبكات التلفزيونية الأمريكية تتم بالتناغم مع العملية الإعلانية التي تستند إلى بث الإعلانات خلال البرامج الأكثر شعبية لدى الجماهير، وهو ما يعني أن موضوعات البرامج وصيغها تخضع لأذواق الجماهير بناء على نتائج دراسات ميدانية أو مركزة تقوم بها شركات أبحاث السوق لصالح المؤسسات الإعلانية لمعرفة مدى تغلغل برامج التلفزيون في أوساط الجماهير.  وهناك سبب آخر يتعلق بالاتساع الهائل لسوق الإعلان الأمريكية، حيث إن قوة الاقتصاد الأمريكي المستند إلى السوق الحرة في التعاملات التجارية ارتبطت تقليدياً بصناعة الإعلان، التي هي جزء لا يتجزأ من الصناعة الإعلامية، ومن هنا، فقد غدا هذا الثالوث (الإعلام، الإعلان، الاقتصاد) يشكل بنية صلبة تستند إليها القنوات التلفزيونية المختلفة في عملها.

أما في دول الخليج العربية، فنلاحظ أن جميع هذه العناصر إما مفقودة تماما أو بدأت تخبو شيئاً فشيئاً وسط التحولات الاقتصادية والإعلامية والسياسية التي شهدتها المنطقة في العقدين الماضيين.  فلو أخذنا القنوات الفضائية الحكومية في دول الخليج الست للاحظنا أنها تعتمد غالباً على الميزانيات الحكومية السنوية في تمويل نفسها، وربما تستعين ببعض الدخول الإعلانية المتوافرة، وهي في غالب الأحيان شحيحة. فكمؤسسات حكومية تبدو القنوات وكأنها جزء من البيروقراطية الحكومية بكل ما تحمله الكلمة من تثاقل وبطء وتدني فاعلية وروتين، وهي بالتالي لا تملك الدافعية الكافية للتطوير من خلال تنويع مصادر الدخل المالي لنفسها. وفي الوقت نفسه، لا تملك علاقات وثيقة واستراتيجية مع القطاع الخاص في المنطقة لإرساء تعاون مشترك يسمح بتوفير التمويل لبرامجها في المدى البعيد.  ولعل جزءاً من المشكلة يعود إلى تدني مستوى الوعي في أوساط القطاع الخاص بأهمية الإعلان، وضرورة إبراز السلع والخدمات بين الجماهير كوسيلة ناجعة لتسويقها. ومن هنا فإن معظم الإعلانات التي يحملها البث الفضائي هي إعلانات لمنتجات وخدمات تقدمها شركات متعددة الجنسية، وتحاول تسويق منتجاتها في منطقة الخليج.  وأدركت القنوات الفضائية الحكومية أنه لكي تكون قادرة على الفوز بنصيب معقول من السوق الإعلانية في المنطقة، فإن عليها أيضاً أن تتبع أساليب حديثة في التعامل مع الجماهير الإعلانية من خلال تبني منهجية بحوث السوق بشكل مستمر يسمح برصد اتجاهات التعرض لوسائل الإعلام بين أفراد الجمهور، ووضع بيانات هذه الدراسات في متناول الشركات المعلنة لإقناعها بأهمية بث إعلاناتها في تلك المحطات.  وهنا نجد أن القنوات الحكومية قد وقفت وجهاً لوجه أمام قنوات القطاع الخاص في تقاسم فطيرة السوق الإعلانية، ولا داعٍ هنا للإشارة إلى أن المحطات الحكومية كانت دائماً تمثل الطرف الخاسر في هذه المعادلة.

وربما يصبح المشهد مختلفاً نوعاً ما عند الحديث عن دور القنوات الفضائية الخاصة في هذا المشهد التنافسي، فهذه القنوات، التي تعد منطقة الخليج العربي حديثة العهد بها، بدأت تتبع أساليب علمية وحديثة في التأسيس لعلاقات رصينة مع القطاع الخاص ومع الجماهير الإعلامية في سعيها لتأمين موارد مالية متجددة، وبخاصة في ضوء تزايد تكاليف الإنتاج والتجهيزات واستقطاب الكفاءات المبدعة للعمل.  وعندما نتحدث عن الإعلام الفضائي الخاص في منطقة الخليج العربي، فلربما يبدو من غير المنطقي أن نصف هذا الإعلام بأنه إعلام مستقل، على الأقل من الناحيتين السياسية والاقتصادية.  فقناة (الجزيرة) على سبيل المثال، لا تزال تتلقى الدعم المالي من الحكومة القطرية، ولا يزال مجلس إدارتها ترأسه شخصية رسمية حكومية، ولا يزال معظم التمويل يأتي من شركات حكومية عامة في دولة قطر.  أم قنوات ال (MBC) الأربع وقناة (العربية) وقنوات (روتانا) وقناة وشبكة (أوربت) الفضائية، وقناة (الرأي) الكويتية، فهي جميعها جزء من مؤسسات خاصة ضخمة تعمل في مجالات إعلامية وغير إعلامية، وتتولى توفير التمويل اللازم لسد العجوزات في ميزانياتها السنوية، وهو أمر يثير الاستغراب ويحرك الانتباه بعيداً عن الفكرة القائلة بأنه ما دام الإعلام الفضائي هو جزء من القطاع الخاص، بالتالي فإن هدفه الرئيسي هو تحقيق الربحية الاقتصادية بكل ما تعنيه الكلمة.  غير أن هذا الاستنتاج يفقد بريقه عندما نتحدث عن أهداف غير تجارية تقف وراء هذه المشاريع الفضائية الخاصة تجعلها لا تنتمي إلى هذا القطاع بشكل كامل.  وهنا لا نريد أن نخوض في تفاصيل النقاشات الاستنتاجية التي ربما لا تؤدي إلى نتائج محسوسة تحسم الجدل حول الموضوع.

إن السؤال المطروح هنا عندما نتحدث عن إخفاق الإعلام الفضائي الخليجي في توفير قاعدة تمويلية رصينة وبعيدة المدى يتعلق بجدوى التعاطي مع القنوات الفضائية الخاصة على أنها مشاريع تجارية تسعى للربح في الوقت الذي تعاني فيه من خلل واضح في منهجيات تمويلها. وعندما يتعلق الأمر بالتمويل، فلا بد أن نتذكر دائماً أن قدرة الإعلام الفضائي على الصمود والتوسع والمنافسة سيحددها المقوم المالي فقط، وهذا الأمر يطرح تساؤلات حول كيفية تأمين بيئة تمويلية مستدامة في ظل منافسة شديدة ليس من داخل المنطقة بل من خارجها أيضاً، وبخاصة في ظل العولمة التي باتت فيها وسائل الإعلام تخترق الحدود وتصل إلى بيوت ملايين من أفراد الجمهور وهي تحمل مضامين أكثر أناقة ورشاقة وجاذبية سرعان ما تتلقفها جماهير متعطشة للتجديد، بعدما سئمت من رتابة المنتوج التلفزيوني المحلي وبلاهته.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة