انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتمقال(الاستقرار السياسي) في الدول النامية

(الاستقرار السياسي) في الدول النامية

انشأ بتاريخ: الجمعة، 01 تشرين1/أكتوير 2010

أعرف أن هذه المطبوعة دورية تركز – مشكورة- على القضايا الملحة، التي تهم دول الخليج وعالمنا العربي قاطبة، حيث تتناول هذه القضايا بالتحليل الآني الرصين من دون كبير اكتراث بـ (التنظير). ولذلك، أستميح هيئة التحرير في هذه المجلة الغراء وقراءها الأعزاء، العذر عندما أحاول في هذا المقال التطرق بإيجاز وتبسيط إلى نظرية الاستقرار/عدم الاستقرار السياسي، وسبل معالجة الخلل فيه، بالإشارة الصريحة والضمنية للعالم النامي الذي تنتمي دولنا العربية إليه.

تعاني بلدان كثيرة في العالم النامي، ومنها بعض دولنا العربية، من عدم استقرار سياسي سافر، بينما تعاني كثير من هذه الدول من عدم استقرار سياسي خفي، أو مبطن (تماماً كالأمراض التي تخفى وهي تستشري). ولعل ذلك أسوأ الأمراض السياسية. التي تنهك الدول وتضعفها، وتودي بها في أغلب الحالات، وأن ما يمكن أن يسمى (التطبيب السياسي) يعتبر هذا المرض أشد الأمراض السياسية فتكاً بالدول، ويحاول عندما يتدخل مكافحته أو التخفيف من حدته، ومن ثم من آثاره الكارثية. ويلقي هذا المقال قليلاً من الضوء على هذه المسألة الخطيرة (المرض وعلاجه) التي يجب أن تكون على قائمة الاهتمامات السياسية العربية في هذا العصر الرديء.

ويرتبط ما يعرف بـ (الاستقرار السياسي) أشد الارتباط بما اصطلح على تسميته بـ (التنمية السياسية) الإيجابية المستمرة والتي تعني عملية رفع مستوى الوعي السياسي لشعب دولة ما معينة، وتدعيم انصهاره الوطني، وزيادة مشاركته السياسية، ووضع وتدعيم القوانين الأساسية الضرورية، وإنشاء المؤسسات السياسية. التي تستوعب القوى السياسية والاجتماعية المختلفة في المجتمع، في إطار دستوري وقانوني منظم، وذلك لأقصى حد ممكن.

 ويوحي مضمون هذا التعريف بأنه كلما كانت هناك تنمية سياسية إيجابية متواصلة، ارتفعت درجة (الاستقرار السياسي) حسب تعريفه المذكور أدناه والعكس صحيح.

إن الاستقرار السياسي ضروري للحياة البشرية، ربما بقدر ضرورة الماء والهواء. فمن دون استقرار سياسي مناسب لا يمكن لدولاب الحياة، في أي مجتمع، أن يدور، لأن انعدام الاستقرار السياسي (وسيادة عدم الاستقرار السياسي بالتالي، وما ينجم عنه) قد يحيل حياة المجتمع إلى جحيم لا يطاق، ويعطل مسيرة الحياة العامة بشكل طبيعي وبناء.

إن الاستقرار السياسي يعني بصفة عامة استتباب النظام (القانون) والأمن القائمين على أسس مقبولة، من قبل غالبية المجتمع بفئاته المختلفة. وسيادة الاستقرار السياسي تضمن سير الحياة بشكل طبيعي وبناء في إطار (السلام)، الذي لابد من توافره بقدر مناسب لقيام حياة طبيعية وبناءة.

وعندما يختفي (الاستقرار السياسي)، في أي مجتمع، سرعان ما يسود فيه عدم الاستقرار السياسي و(عدم الاستقرار السياسي) هو معكوس (الاستقرار السياسي). والمقصود بـ (عدم الاستقرار السياسي)، غالباً ما يكون تصاعد احتمال حدوث الاضطرابات والقلاقل والحروب، عندما يكون عدم الاستقرار السياسي سافراً، وعندما يصبح (عدم الاستقرار السياسي) مبطناً (أي غير سافر) فإنه يعني استتباب النظام (القانون) والأمن على أسس غير مقبولة لغالبية المجتمع بفئاته المختلفة.

وغالباً ما تتجسد هذه الأسس في القوة والإكراه، فـ (عدم الاستقرار السياسي) المبطن يعني استقراراً سياسياً مفروضاً بالقوة، لكنه يظل عدم استقرار سياسي. وعدم الاستقرار السياسي عبارة عن قنبلة قابلة للانفجار في أي لحظة لتنسف كل من حولها، وتدمر كل ما يحيط بها من مظاهر إنسانية وحضارية. وهذه القنبلة يمكن أن تدمر في لحظات أو حتى في ساعات أو أيام، ما تم بناؤه في سنوات.

لذلك، كان (الاستقرار السياسي) السليم ولايزال مطلباً ملحاً وضرورياً، لقيام ونمو المجتمعات، بشكل طبيعي، وسليم. وانعدام (الاستقرار السياسي) يمكن أن ينتج عنه قيام استقرار سياسي مفروض، أو عدم استقرار سياسي سافر وعدم الاستقرار السياسي بأشكاله المختلفة، يعني أن في الأفق اضطرابات، ومآسي، ودماراً، وبؤساً، وتعاسة، ومؤشراته يمكن أن تتدرج من التململ الكلامي إلى العنف والصراعات والحروب.

وبذلك، تتضح الأهمية الحاسمة لـ (التنمية السياسية) (الإيجابية والمستدامة) ، فإهمالها أو تجاهلها يؤديان إلى نمو سيادة (عدم الاستقرار السياسي) أي أن إهمالها سيعني البؤس والدمار، عاجلاً أو آجلاً.

عدم الاستقرار السياسي الخفي هو أسوأ الأمراض السياسية التي تنهك الدول وتضعفها

أما العناية بها والاضطلاع بما تقتضيه فيؤديان بالضرورة إلى استتباب الاستقرار السياسي، وخاصة في المدى الطويل. ونمو وسيادة الاستقرار السياسي يعنيان سيادة الأمن والنظام والسلام، ومؤشراته يمكن أن تتدرج من زهو الشخص (الصادق) بمجتمعه، وتنظيمه، إلى تماسك المجتمع وتكافله، حتى في أحلك الظروف وأصعب الأزمات.

ومن هنا، تصبح (التنمية السياسية) الإيجابية واجباً حتمياً وأساسياً تقع مسؤولية القيام به على الحكومات والشعوب أيضاً. ولابد من القيام بهذا الواجب الأساسي إذا أريد للمجتمعات السعادة، وأريد أيضاً لها (السلام) الذي يكفل لها التواجد والنمو بشكل طبيعي وسليم.

وحالياً، يبلغ مجموع دول العالم 198 دولة. ويمكن اعتبار 106 دول منها عبارة عن (دول نامية) أو سائرة في طريق النمو، في مجالات الحياة العامة الرئيسية الأربعة، وهي: الاقتصاد والسياسة والأمن والاجتماع.

وبالطبع، تتفاوت درجة الاستقرار/عدم الاستقرار السياسي من دولة نامية إلى أخرى. وهناك بعض من علماء السياسة ممن حاولوا حساب وتقدير درجة (الاستقرار السياسي) على مقياس علمي مجرد يتدرج من صفر إلى 50 درجة.

فحصول دولة في وقت ما محدد على درجة صفر أو ما دونه بقليل على هذا المقياس، يعني أن تلك الدولة تعيش أحرج حالات عدم الاستقرار السياسي، وهي حالة (الحرب الأهلية) والتمزق والدمار. ولا تعتبر الدولة- أية دولة- مستقرة سياسياً، إلا إذا حصلت في ذلك المقياس على 26 درجة، أو أكثر. ويندر أن تحصل أي دولة في أي وقت على الدرجة الكاملة (50 درجة) ، وهي الدرجة التي تعني أن تلك الدولة تعيش أزهى مستويات الاستقرار السياسي، وهذا يعني أن شعب تلك الدولة سعيد، حقيقة وبشكل شبه تام، بسير وإدارة الحياة العامة في بلاده.

وفي الوقت الحالي، يقدر بعض علماء السياسة عدد دول العالم النامي، التي تعاني من درجات متدنية من الاستقرار السياسي (يتراوح بين صفر، إلى أقل من 25) بأكثر من نصف إجمالي تلك الدول. والسبب الرئيسي في ذلك التدني الخطير يعود إلى غياب أو تعثر عملية التنمية السياسية الإيجابية المستمرة بعناصرها الخمسة الأهم، وبخاصة عنصري المشاركة والانصهار الوطني.

ويلاحظ أيضاً، عدم انفصال حالة الاستقرار السياسي، في أي بلد، عن العوامل الخارجية. أي أن مسألة تحقيق دولة ما، في وقت ما معين، لدرجة معينة ومحددة من الاستقرار السياسي، لا ترد فقط إلى العوامل الداخلية لتلك الدولة، بل إن لـ (العوامل الخارجية) دوراً قد يفوق أحياناً دور العوامل الداخلية في تحقيق أي درجة (مستوى) من الاستقرار/ عدم الاستقرار السياسي. كما أن التأثيرات الخارجية تتصاعد كلما ضعفت الدولة  والعكس صحيح.

لكن العوامل الخارجية، إن تدخلت لصالح طرف معين لفرض درجة معينة من الاستقرار، فإن تلك الدرجة إن تحققت لا تعبر في الغالب إلا عن عدم استقرار سياسي مبطن أو استقرار سياسي مفروض. وذلك يعني عدم استقرار سياسي على أي حال. لذلك، فإن الاستقرار السياسي الحقيقي، لا يمكن فرضه من الخارج في المدى الطويل.

وعندما تتدنى درجة الاستقرار السياسي إلى الصفر أو ما دونه:  

إن حصول دولة ما، في وقت ما معين، على درجة متدنية، على مقياس الاستقرار السياسي التقريبي المتخيل، يعني أن تلك الدولة تعاني من وباء وبيل، هو عدم الاستقرار السياسي، الذي يمكن أن يتسبب وجوده في تدمير الأخضر واليابس في تلك البلاد.

كما أن حصول دولة ما على درجة صفر – 10 كثيراً ما يعني أن تلك الدولة تعيش أحرج حالات وصور عدم الاستقرار السياسي، وهي الصراعات الأهلية، والمعاناة من التمزق وربما العنف. وذلك معناه أن غالبية شعب ذلك البلد تعيش فترة من أتعس مراحل حياتها العامة، وتمر بمرحلة امتعاض شبه كامل تجاه سير الحياة العامة في بلادها.

وتعتبر (الحرب الأهلية) بكل تبعاتها ونتائجها وأهوالها ودمارها بذلك، أقسى وأحرج مراحل عدم الاستقرار السياسي ومؤشراً واضحاً لوصول البلد إلى أدنى درجة من درجات الاستقرار السياسي الحقيقي. وعندما يبتلى بلد ما بـ (حرب أهلية)، فإنما يكون بمثابة الشخص الذي أصابه مرض عضال، بمعنى أن جرثومة هذا (الوباء) تسمى تدني درجة عدم الاستقرار السياسي إلى الصفر أو ما دونه. وهذا الداء يمكن أن يودي بالدولة للأبد وفي فترة قصيرة، أو يمكن أن ينهكها بحيث لا تقوم لها قائمة بعد ذلك، إلا بعد مرور سنوات أو ربما عقود طويلة.

وبالطبع، كلما أسرع في تدارك هذا الوباء ومعالجة أسبابه وآثاره كانت معاناة الدولة أقل، والعكس صحيح تماماً. وفي حالة وقوع دولة ما في براثن هذا الوباء الفتاك (الحرب الأهلية) فإن الحياة الطبيعية فيها تتعطل مع توقف لغة التفاهم والحوار العقلاني المتحضر بين الأطراف المتنافسة الرئيسية المعنية في تلك الدولة. وتصبح لغة البندقية والقنبلة والمدفع هي السائدة، ويمسي القتل والدمار هما أسلوب التخاطب والتعامل اليومي بين الفرقاء الذين غالباً ما تضم كلاً منهم (ميليشيا) تحارب خصومها.

تعتبر الحرب الأهلية من أقسى وأحرج مراحل عدم الاستقرار السياسي

وبشيء من التفصيل، يمكن القول إن من أبرز ما ينجم عن اشتعال والتهاب الحرب والاضطرابات الأهلية من كوارث، ما يلي:

- انعدام النظام والقانون بسبب غياب سلطة مركزية مقبولة وقادرة على فرضهما.

- انقسام سكان البلد إلى شيع وفرق مختلفة ومتناحرة تقوم كل منها على أسس عرقية أو فكرية أو جهوية أو مصلحية معينة، وتتحارب هذه الفرق فيما بينها مستخدمة كل ما يتوفر لها من سلاح.

- فتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات الأجنبية المختلفة (الحسنة والسيئة، البناءة والمغرضة) في ذلك البلد إلى جانب هذه المجموعة أو تلك طبقاً لما تمليه مصالح وميول وأطماع الدول المتدخلة.

- غالباً ما تكون كل جماعة قوة عسكرية (ميليشيا) لتحارب قوات المجموعات المعادية الأخرى، الأمر الذي يعني تعدد الجيوش غير النظامية والمتناحرة داخل البلد الواحد وما يتمخض عن ذلك التعدد المدمر من قتل وخراب.

- انعدام الأمن وانتشار أعمال النهب والسلب والاغتصاب والجرائم المختلفة، بالإضافة إلى حالات القتل والدمار الناتجة عن تحارب واقتتال الفرقاء المعنيين.

- ندرة أو انعدام الحاجات الأساسية للناس، كالماء والكهرباء والغذاء والدواء...الخ.

- تعطل الخدمات العامة، وخاصة المستشفيات والمدارس والجامعات والمواصلات والأسواق... إلخ.

وما إلى ذلك، من أهوال، قد يشيب منها الولدان.

والأمثلة على ذلك، من العالم النامي، كثيرة منها: نيجيريا (1967-1970)، تشاد (1979-1993)، ليبيريا (1990-1993)، رواندا (1995-1996)، بوروندي (1993-1995)، الصومال (1991- 2010)، إثيوبيا (1974-1987)، زائير/الكونغو (1995-1997م)، سيراليون (1997م)، لبنان (1975-1990م)، اليمن (1994م)، جنوب السودان (1975-2005)، أفغانستان (1990-2010)، البوسنة والهرسك (1991-1995م)، ألبانيا (1996-1997م) وغيرها.

ومن المستغرب، أن تهمل الأمم المتحدة، وهي المنظمة الدولية الحكومية العالمية الشاملة الأهم في عالم اليوم، هذه المسألة، ولا تهتم بها كما ينبغي، وخاصة من الناحية الوقائية. كان من الأجدر واللازم أن تقيم الأمم المتحدة هذه جهازاً رئيسياً يضاف إلى أجهزتها الستة الرئيسية للعناية بمشكلة تدني درجات الاستقرار السياسي، وخاصة في العالم النامي لما لذلك من خطورة على السلم الدولي، و بما يتبع ذلك من اهتمام بالنظم السياسية المختلفة والتي تتعاقب على كثير من الدول النامية، فيسبب بعضها لهذه البلاد المزيد من التخلف والاقتتال والضياع، والكثير من الفقر والجهل والمرض. ولهذا الحديث صلة في المقال المقبل.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة